الخميس 14ديسمبر2017
أخر الأخبار

إستطلاع الرأي

ما هو رأيكم في شكل الموقع ؟

نتيجة التصويت

Loading ... Loading ...

حمل تطبيق

الرئيسية » أخر الأخبار » الريف المغربي من الكيماوي الى ” الكروموجين ” …

الريف المغربي من الكيماوي الى ” الكروموجين ” …

بقلم يوسف بوغنيمي

 

  • مسيرة 20 يوليوز بين منع  المخزن واصرار ساكنة  الريف…

 

تأتي  مسيرة الخميس 20 يولويز 2017 بمدينة الحسيمة  , بالرغم من  قرار المنع الذي أشرت عليه عمالة اقليم الحسيمة كاحدى الادارات التابعة  لأم الوزارات بالمغرب – الداخلية –  , و بررت قرار المنع بأن هذه المظاهرة تمت بدون احترام المساطر القانونية المعمول بها، حيث لم تتوصل السلطة الإدارية المحلية المختصة بأي تصريح في الموضوع، كما هو منصوص عليه ضمن أحكام الظهير الشريف رقم 377 . 58 . 1 بشأن التجمعات العمومية, وهو القرار الذي باركته أحزاب الأغلبية مرة أخرى.  

لكن مع ذلك وقع المحظور ,وتظاهرت ساكنة الريف في تحد لقرار المنع واصرار منها على التحدي ,ابتداءا من مساء نفس اليوم , وبالرغم من قطع الأنترنت, سرعان ما بدأت تصلنا اتباعا مشاهد وتقارير تناقلتها القنوات العالمية , من كر وفر وتراشق بأسطوانات ” الكروموجين ” الغربية  الصنع  بشوارع عاصمة الريف, وحالات اختناق بالشارع العام هنا وهناك.

وجاءت الرواية الرسمية في نفس الليلة –  الحامية الوطيس –  ضمن  بلاغ لعمالة الحسيمة مضمونه أن مجموعة من 300 إلى 400 شخص، حاولت في تحد لقرار منع المسيرة بالإقليم، تنفيذ احتجاجات، حيث “عمدت بعض العناصر الملثمة إلى استفزاز القوات العمومية ومهاجمتها بالحجارة ” ,مختزلة الحصيلة في كون أن 72 عنصرا من القوات الأمنية أصيبوا بجروح متفاوتة الخطورة، خلال الاحتجاجات التي عرفتها المدينة ، إلى جانب 11 شخصا من المتظاهرين نتيجة استعمال الغازات المسيلة للدموع، تم نقلهم إلى المستشفى لتلقي الإسعافات اللازمة باستثناء حالتين اثنتين الاحتفاظ بهما بالمشفى  .

كما أن اجراءات التحقق من الهوية, أسفرت عن اعتقال  06 اشخاص على خلفية قضايا تتعلق بالحق العام , واصابة خطيرة على مستوى الرأس لمتظاهر تم فتح تحقيق في نازلة اصابته تلك من طرف النيابة العامة  .

كان هذا هو المشهد العام بشوارع الحسيمة التي ظلت على مدى شهور تعرف الاحتجاجات تلو الاحتجاجات,  دون أن يخفث لها صوت …ولم تنفع معها تسخير طائرة للفنانين و”سيلفياتهم ” مع حفدة عبد الكريم الخطابي …أو حتى المشاريع التي جاء بها وزراء حكومة العثماني …

 

  • 20 يوليوز رمزية التأريخ ودلالة الذكرى عند أهل الريف .

 

ان لعنصر الزمان دلالة كبرى في مجريات ماجرى قبل وبعد 20 يوليوز2017 , اذ للوهلة الأولى يسابق تاريخ أخر لا يقل أهمية التاريخ الأول , ويتعلق الأمر بذكرى عيد العرش على بعد 10 أيام من احتجاجات خميس الريف , ويشكل حجة قوية لمن أراد أن يأخذ بها , أي بالضبط في 30 من يوليوز هنالك محطة أخرى للمغرب الرسمي قد تكون مفصلية للحسم في حراك الريف, أو اطلاق مبادرات تلتقط اشاراتها الساكنة من خلال ” عفو شامل عن المعتقلين ” وهو عرف دأبت عليه المؤسسة الملكية بعيد كل مناسبة دينية أو وطنية , كما تشكل المناسبة محطة لاستقراء الانجازات من خلال خطاب العرش, حيث يتنبأ كثيرون هذه السنة بارتباطه  باعلان العاهل المغربي عن نتائج التحقيق في المشاريع المعطلة وخاصة بالريف والتي أمر بالتحقيق فيها شخصيا …

من جهة أخرى ان اصرار الريف الجريح على التظاهر في هذه الظرفية وفي نفس التاريخ لايمكن اختزاله في مجرد ” سخونية الراس ” , أو التزام باعلان  عن التظاهر السلمي ,سبق وأن دعا اليه  “ناصر الزفزافي” أحد أبرز زعماء الحراك القابع اليوم وراء قضبان سجن “عكاشة” بالعاصمة الاقتصادية البيضاء وسط المغرب , وأبى الريفيون الا أن يوفوا العهد وأن يكونوا في الموعد تضامنا مع شباب الحسيمة ونواحيها, والذين تم الزج بهم على شاكلة “الزفزافي” و”سيليا” بغض النظر عن التهم الموجهة اليهم , لكن الأمر أعمق من ذلك بكثير , اذ يتعلق بمحاولة لبعث التاريخ الجماعي لمنطقة الريف ,واعادة مقارعة ومساءلة التاريخ نفسه ,  وهو مايفسره استماتة  المتظاهرين الذين أبوا الى تخليد الذكرى ,التي لم تكن يوما  حكرا على الريفيين فقط , لارتباطها  بحدث تاريخي منفصل طالما احتفل به المغاربة جميعا , ويتعلق الأمر بمعركة “أنوال” كتقليد تاريخي سنوي يؤرخ لواقع استعماري عاشه المغرب من أقصاه الى أقصاه , معركة أنوال تلك , والتي سميت في موضع آخر بمسمى أقرب الى  الواقع وهو  “كارثة انوال” عند الاسبان قياسا  بحجم الأضرار التي لحقت بالمستعمر من خلال فقدانه لألوف من جنوده النظاميين ,  ونخبة من جنرالاته بفعل شراسة جيش القائد الخطابي , لكن الريف تلقى حينها  كارثة أعظم وأفظع  فاقت خسائر الاسبان أنفسهم , تجاوزت عنصرا الزمان والمكان , من خلال استيطان الموت بين ظهراني ” ريافة ” حجرا وبشرا .

ومن الجحود اليوم القفز على هذه الحقيقة التاريخية , والقول بكون تداعياتها انبرت مع جلاء الاحتلال الذي لازال جاثما في الذاكرة التاريخية وحاضرا في الواقع الصحي والنفسي للمنطقة, كما أن نزيفه  الداخلي لازال  مستمرا  في الضمير الجمعي لساكنة الريف  الى اليوم ,بغض النظر عن عدم تبصر بعض دوائر القرار لذلك ,ذكرى معركة انوال  لم تعد معها اللحظة التاريخية تحقق نشوة الاحتفال  بالثورة والنصر مع أجيال غادرت ,  بقدر ماهي ذكرى استحضار جيل معاصر لحدث مشين في حرب غير أخلاقية ,غير متكافئة من خلال  طمر منطقة الريف  ببراميل غاز “الموتارد” الكيماوي الذي كانت له  تداعيات على ساكنة الريف منذ  حرب  الخطابي وامتدت الى جيل الزفزافي , وهي الحرب التي  استهدفت الكائنات الحية من تربة و بشر ونبات وحيوان وحجر , ولازال  النزيف بجراحه  لم يندمل بعد بفعل  قتل ممعن  للخلايا, كتركيبة عضوية للكائنات الحية ,  كما جاء في في شهادة موثقة للطبيب العسكري البلجيكي والخبير في الاسلحة الكيماوية الدكتور “كورلينيس بير لنجر” ,والذي كشف بكون الريف فترتها تم طمره بسائل يقتل خلايا البشر والنبات ويسبب فقاعات وحروق يصعب شفاؤها , واستنشاق ساكنته لبخار غازه فقط   كفيل بحرق الرئتين واصابة القرنية بالعمى , وسماه بغاز “الموتارد ” , و المعروف عنه تسببه بأمراض سرطانية قاتلة لازالت الساكنة تعاني ويلاتها الى اليوم ,وما ارتفاع نسبة الساكنة المسرطنة الا خير شاهد على حرب قذرة تم تسطير فصولها بمعاناة الريفيين .

تلك أذن , هي رمزية التاريخ ودلالة الذكرى التي يجب على كل من جاء لريف الحسيمة قاصدا اخماد نار ساكنته ,أن يأخذها بعين الاعتبار …لاحاملا عصا غليظة في يد وأسطوانات ” الكروموجين ” في اليد الأخرى , لجبر ضرر لم تكن تداعياته وليدة اللحظة , ولكن هو تحصيل حاصل  لسنوات من طمس معالم تاريخ لطالما شكل ارثا مشتركا لجميع المغاربة .

 

  • الريف يحتاج الى مصالحة حقيقية لا الى المقاربة الأمنية .

 

ان الوضع المحتقن بالريف منذ عشرة أشهر لايحتاج للمزيد من صب الزيت على الماء , أو قرارات تساهم في تكريس الأزمة عوض حلحلتها ,مثل قرار المنع  الذي يرجح المقاربة البوليسية ,وحتى القانونية ان افترضنا جدلا عدم الالتزام بالقوانين المنظمة للتجمعات العمومية , والتي تغاضت عنها السلطات العمومية في الكثير من الأحيان , وخاصة  في عز رياح 20 فبراير حينما طأطأ المخزن رأسه مجاريا اتجاهها , وحسبت له فيما بعد موازاة مع الاصلاحات التي تم الاعلان عنها وفي طليعتها دستور 2011 ,حيث أصبح النموذج المغربي يحتدى به من خلال طلاقه البائن لحظتها مع  المقاربة الأمنية, والقطع مع مغرب تازمامارت …

عموما ان عسكرة اقليم الحسيمة وتكديس القوات العمومية بها,وخنق ساكنتها تحت ذريعة المقاربة الأمنية في الوقت الراهن , لامبرر لها لكون التظاهرات أكدت في غير ما مرة على سلميتها حتى من طرف من كفر الحراك في أول مرة ,  كما أن هدر درهم واحد من مالية الدولة في رمي أسطوانات “الكروموجين “على أناس قرروا التظاهر بشكل سلمي أمر مرفوض .

كما أن النظر من زاوية وحيدة وبعين السلطة وحدها الى الريف والى غير ساكنة الريف لا يكفي ,ولايجعل الصورة مكتملة , مقابل وجهة نظر معاكسة ترى في  قرار منع تظاهرة الخميس اذكاء للمقاربة الأمنية وحق أريد به باطل , لاضفاء الشرعية حول ماستؤول اليه الأوضاع يوم 20 يوليوز, ولتحميل المحتجين تبعات ما ستفرزه التظاهرات  فيما بعد ,والتي باتت في نظر مناصري الطرح الأمني ” سيبة ” بعد زخم الوعود التي قدمت, ومشاريع بمليارات الدراهم صبت جميعها في الحسيمة ونواحيها , وبالتالي فهذه الحكومة ليس لها عصا سحرية أو خاتم سليمان لتقول للمشاريع “كن فتكون ” …في حين هي في نظر المحتجين لاتعدو أن تكون مجرد در للرماد في عيون ذاقت مرارة الوعود والتسويف ,وأن ممارسة حق كوني وشرعي في الاحتجاج السلمي ,والذي تعيشه حتى أعتى الديمقراطيات الغربية تكريسا لثقافة حقوق الانسان ,لايحتاج الى ترخيص مرفوض سلفا .

ان المتتبع اليوم للوضع الحقوقي والديمقراطي  في المغرب يؤشر بأصابعه العشرة على كون المغرب يعيش الى حد ما وضع الردة ,وانتكاسة حقوقية شهد عليها نواب الآمة قبل غيرهم , وهم يسائلون وزير  حكومتهم في الداخلية لفتيت خلال جلسة عمومية , دون الحديث عن الاعلام الدولي الذي أصبح حديثه عن الوضع الحقوقي بالمغرب ,ولمظاهرات الريف وغيرها مادة اعلامية دسمة , وطاولة مغرية للنقاش ,ليتلقى المخزن المغربي الدروس من القاصي والداني في أبجديات الديمقراطية والالتزام بمواثيق حقوق الانسان , مما سيؤثر سلبا على دوائر القرار وهم يسوقون الوضع الحقوقي السليم في المحافل الدولية ,وأمام المنظمات الحقوقية التي تعد التقارير و تتبع الأحداث أولا بأول…

ان الحلقة المفقودة في حراك الريف  تحتاج لصوت العقل ولجهود الوساطة, من شخصيات عمومية أو مؤسسات منتخبة أو هيآت حزبية ,لها الجرأة في أن تتحمل  مسؤوليتها و تسعى لوأد الانقسام وتحقيق المصالحة الحقيقية عوض منطق الاتكال وتلقي التعليمات …

ان مخرجات أزمة الريف تتم بالمصالحة مع التاريخ ,وتنطلق من معالجة أسباب الاقصاء والقطع مع مسببات الاحساس بالتهميش والغبن و”الحكرة” , في حين أن الحسيمة وكما يحلو للبعض تسميتها بجوهرة الشمال تفوق مشاريعها وبنياتها التحتية الكثير من مدن الداخل , ان المنطقة لاتحتاج الى مشاريع تنموية لوحدها بقدر احتياجاتها الى اعطاء القيمة للعنصر البشري الذي تتحقق آدميته , وتعيد صياغة مفاهيم جديدة للسلطة ,عوض ألفاظ ” السباب ” الحاطة من كرامة المواطن الانسان , والتي يتسبب فيها بعض من رجال السلطة الذين يغيبون بوعي أو بدون ذلك حقيقة ممارسة السلطة وتدبيرها وتنزيلها على المستوى المحلي , كما تحتاج الحسيمة وحسيمات  المغرب الأقصى الممتدة الى  بناء حقيقي للمؤسسات وفق أنسنة شروط الاستقبال للمواطن المغربي بالريف وغير الريف , وتقطع مع ” سيبة ” الارهاب الاداري الذي يتغنى مناصروه بأنهم الأسياد وأن من دونهم عبيد , في حين أن لاسلطة فوق سلطة القانون كأسمى تعبير عن ارادة الأمة ,والجميع عبيد للامثثال له .  

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *